فيديو ملفات الرئيسية نصوص كتب جلري من نحن

 
 

    


 
 

     القائمة البريدية

 
 


سين » نصوص


هيثم السيد

في مفهوم أن يكون عالمك من اختيارك

إطفاء الجهاز وإعادة تشغيله، وقراءة تعويذة إغريقية على الشريحة، واستبدالها بشريحة أخرى تحتوي صورة مختلفة في مرحلة لاحقة، مشاهدة مباراة كاملة للهلال، التنكر في زي ساعي بريد، والقيام بجولة تفقدية للوقوف على احتياجات الجيل الثالث من الفزاعات، والتقاط الصور بجانب اللوحات البراقة، وممارسة المشي لنصف ساعة يوميا بمحاذاة الأبراج، وانتظار 24 ساعة لا تنتهي حتى بعد مرور أسبوع كامل، والأشياء السخيفة نوعا ما كإرسال رسالة من رقمي وإليه، وبقية التصرفات الغريبة التي فعلتها خلال الأيام الماضية كلها لم تكن مجدية في نهاية الأمر كي تقنعني أن ثمة أمل يمكن تداركه ضمن أكثر قراراتي غباءا (إذا استبعدنا شرائي جهاز البلاك بيري بطبيعة الحال).. ..لكن الحق يقال على أية حال وعالم الاختيار الذي يبدع في اجتذابك إعلانيا ، يحقق لك فعلا مقتضيات شعاره العظيم بمجرد انتخابك له ممثلا عن دائرتك الاتصالية..


 

أنت في عالم من اختيارك، فإن شئت فاستمتع ببطاقات شحن تكلفك قيمتها دون أن تمنحك ثانية واحدة في مقابل ما دفعت، وإذا كنت من عشاق الرسائل النصية فلديك فرصة الاختيار بين أن تقطع لديك خدمة الإرسال أوالاستقبال، كمكافأة لك على سدادك المنتظم..يتيح لك عالم الاختيار هذا أن تجرب شعور أن تكون خارج نطاق التغطية فعليا، وممارسة جدلية الاعتراض المسرحي المضحك على أصدقائك وهم يؤكدون لك أنهم أرسلوا لك رسائل لم تصلك، دون أن تدرك أن الشركة قد منحتك إجازة أحادية مفتوحة ياعميلها العزيز، ترتاح فيها من استنزاف حسك الاستكشافي بفعل نغمة الاس ام اس ومن ثم إرهاق فتحها، وفي مرحلة لاحقة الرد عليها!

عالم الاختيار هنا، لا يخبرك تحديدا بعدد موظفي خدمة الدعم الهاتفي الموجودين على رأس العمل لكنه يمنحك فرصة أن تكلم نصفهم تقريبا في ظرف خمسة أيام، كما يكفل لك أن تبقى على تواصل تام مع مقدم خدمتك النوعي لدرجة أنك تداوم على زيارة مكاتبه بمعدل ساعة إلى ساعتين يوميا..تستمتع خلالها بلعبة الكراسي إيمانا من الشركة بأهمية الترفيه عنك قبل أن تجلس أمام أحد المكاتب، لتقول الكلام الذي تبرمجت عليه من فرط ترديده غير المجدي، قبل أن يقوم موظف محصن ضد الابتسام برفع (طلبات) و شكاوى وتبليغات، وإيضاحات وإخطارات، الواقع أنه سيقوم برفع كل شيء ممكن إلا معنوياتك، كما أن كل الأشياء التي سيرفعها ستبقى معلقة في السماء .. بطريقة أكثر لباقة من أسلوبك في تعليق نفسك بلون السماء..خصوصا ذلك النوع المتعلق بشركة اتصالات!

عالم اختيارك يا عزيزي، يمنحك فرصة عمرك في تعلم قيم سلوكية كريمة كالصبر على الأذى وكظم الغيظ والابتسام رغم المصيبة..تأكد أنك لو بقيت بكامل قواك الذهنية بعد فاتورتين فقط فهذا يعني أنك قمت بعمل عظيم..ما المشكلة في أن تعود بك مشارف تقنية الجيل الخامس في هاتفك، إلى بدايات عصر اللاسلكي بسبب أنك تستخدم شريحة مازالت تؤمن بأن الحمام الزاجل هو الوسيلة الأكثر حداثة في تسليم الرسائل..وأن معرفتك بشأن أعمالك واجتماعاتك ومناسباتك الإعلامية والاجتماعية لا تعد أمرا بالغ الأهمية..؟

ما المشكلة يا عزيزي؟ لقد قال لك موظف الخدمة أن السبب هو وجودك في منطقة غير فعالة.. حتى وإن كنت تحرث الرياض عرضا وطولا على مدار يومك، حتى وإن كنت تكلمه وأنت على قمة أحد أبراج الشركة أو من داخل أليافها الضوئية..هذا لن يغير في الحقيقة شيئا ، فأنت غير فعال حتى إشعار آخر!

ثم ما هو الغريب حين يقول لك الموظف الآخر في اليوم التالي وبمنتهى اللباقة أن المشكلة ليست في المكان، ولكنها توقف طبيعي ناتج عن عمليات (تطوير الخدمة) وطبعا ليس من اللباقة هنا أن تعترض وليس شأنك إن لم تكن هذه الخدمة موجودة أساساُ ، فالرجل قال أنهم سيطوروها حتى دون الحاجة إليها ، وهل تعتقد أنك تعرف أفضل منهم..لمجرد أنك تؤمن بأقوال مزيفة مثل (فاقد الشئ لايعطيه) ولمجرد أنك كنت على مدى عشر سنوات ماضية تتلقى كل الرسائل التي ترد إليك، والتي يدفع مرسلوها كلفتها على نحو يتواءم تماما مع قوانين السوق و متطلبات العولمة المجيدة.

يا عزيزي ..لاشيء يستحق التذمر ، ما المشكلة في أن يقف أمامك موظف بالغ الفجاجة (نوع يختلف كليا عن البشوشين الذين نراهم في إعلانات الشركة نفسها)ليلقي بأوراقك الثبوتية نحوك بمنتهى الصفاقة..وحين تسأله باستماتة كبريائية عن مشرف الفرع المهم في أهم مناطق الرياض يجيبك (أنا المشرف) تسأله عن احترام الشركة لعملائها -الذي تعده من قيمها المهنية- وهي المسألة التي يعلق عليها (ماعندنا غير كذا، عجبك والا بكيفك) ؟

كيف يغضبك موقف اعتيادي كهذا بدل أن تتصرف بحضارية وتستقعد لنفسك أنت الآخر وتدع الرجل يمارس عمله في خدمة عوالم اختيارية أخرى ، افعل ذلك انطلاقا من كونك واحدا فقط من شوية ملايين يتعامل معهم هذا الشخص وتذكر أنك كنت في تلك اللحظة تتعامل معه وحده، المشكلة هي أنك مازلت لا تدرك أن العلاقة التجارية بين طرفين لا تستلزم توفير جوانب إنسانية لا يتسع لها الوقت ، خصوصا حين تكون حائرا (في عالم من اختيارك طبعا) بين أن تصدق أن هناك من عمل لشريحتك (عملا) فجعل حياتها أصعب ليشعرك بفداحة تغييرك الطوعي المدفوع بحبٍ غامضٍ يتقاطع مع حبك لمنتخب الأرجنتين ، وبين أن تعيد تقييم الموقف من حيث كونه مشكلة عابرة يمكن أن تحدث في أكبر العائلات الاتصالية لكنها ولسوء حظك حدثت لك وحدك دونا عن شركائك في عالم اختيارك، وهذا لا يجب أن يدفعك مثلا لأن تدعو الله أن يفصل برودبانداتهم ويعطل كونكتاتهم ، ويرمل خطوطهم وييتم شبكتهم أو حتى يجمد الموجات الكهرومغناطيسية في عروق إرسالهم" لا يجدر بك التفكير بذلك ، فهو لا يتواءم مع كونك تنعم مع الجماعة في عالم من اختيارك، تتمتع فيه بفرصتك الكاملة في أن تدفع فاتورة كاملة لا تستفيد إلا من بعضها أو أن تقضي نصف ساعة منتظرا دورك في فرع لا يكلف نفسه بمعرفة مشكلتك لكنه يحولك إلى المكتب الرئيسي إمعانا في تقديره لوقتك ورغبته بتحقيق الرعاية القصوى لك !

ما يمكن قوله الآن.. لا يمكن أن يكون حب أحدهم للون السماوي مكلفا وفظيعا لهذه الدرجة إلا حين يؤثر في اختياره لمن يقدم خدمة هاتفه النقال..هذا لايجب أن يدفعنا لعدم الأنصاف عموما فالقانون لا يحمي المستهلكين أحيانا ، خصوصا أولئك الذين يعتقدون أن الحياة جميلة على النحو الذي نراها به في إعلانات شركات الاتصالات والبنوك، أولئك الذين لم يفهموا العبارة جيدا، وهي تعني لهم أن هذا العالم –اياً كان- هو من محض اختيارك أنت ولم يجبرك احد عليه، فتحمل مسؤولية ماجنت يداك !

شكرا لكل شيء، لحارس أمن الشركة ذات الشهور المجانية الذي قال لي عند بوابة الخروج "مصيرك ترجع لنا" ، لطريقتي في تحويل تعلقي ببلد لاتيني إلى رؤية استراتيجية في حياتي تتضمن الانضمام إلى شركات تعبث بي، لموظف الهاتف الذي شرح لي باستفاضة عن غباء فرضية تفكيري بطلب تعويض، للفرع الذي رفع لي أول شكوى حول بطاقات معطلة وطلب مني انتظار اتصال خلال 48 ساعة، في الخميس الماضي فقط مر على ذلك 48 يوما ، شكرا لتلك الصور الخلاقة، التي تنجح دائما في جعل كل شيء يبدو أجمل وأنبل وأسمى مما هو عليه فعلا !

العمل المرفق للفنانة : يمينة المثلوثي

تونس- خاص/ سين

المشاركة السابقة : المشاركة التالية