فيديو ملفات الرئيسية نصوص كتب جلري من نحن

 
 

    


 
 

     القائمة البريدية

 
 


سين » نصوص


طارق الجارد

الرؤية التي حدثت على مقعد في كامبردج

حدثت لي هذه الرؤية, بالأحرى الأحداث التي قادت لهذه الرؤية, على مقعد في حديقة بارك سبايس بمدينة كامبردج البريطانية, في الصباح العليل من الحادي و عشرين لأغسطس. ذات الصباح الذي يأتي كل عام, بعد ليلة ميلادي.
لم أحتفل بعيد ميلادي يوما, و لم أحفل به أيضا. و هذا من الأحداث - فالأحداث التي لا تحدث, أحداث بحد ذاتها- التي قادت للرؤية.



مضى على أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام إلا شهر, و تبقى لي في برنامج اللغة الصيفي أسبوعين, و كانت البي بي سي تعرض حلقات من السلسلة العلمية الوثائقية لستيفن هوكقنز: (تاريخ مختزل للزمن) .

طوال إقامتي بكامبردج, و أنا أتمنى لقاء قامة علمية بحجم هوكنقز( هذا مجاز أدبي محض, فالرجل مشلول تماما و لا يستطيع الوقوف أصلا), و الإنصات إلى متحدث بليغ- أيضا هذه مبالغة, فهوكنقز لا يتحدث إلا بواسطة ناطق آلي- في تبسيط الفيزياء الكونية. إنه عميد كلية الرياضيات بكامبردج, و هو بالمناسبة ذات المنصب الذي شغله نيوتن قبل ثلاثة قرون. و من الوارد جدا أن يعبر بكرسيه المتحرك حديقة بارك سبايس, حيث أجلس.

هذا الصباح العليل , كئيب, و لأسباب لا تتعلق به. بالأمس اتفقت أنا و مجموعة من الأصدقاء, على أن نلتقي في (فيفث آفينيو) , في حفلة وداعية صاخبة , لبعض من أصدقائنا المغادرين. و لأنني أنسى كثيرا متى عيد ميلادي, و لأنني أبدو دائما أصغر من عمري بالبطاقة, منعني حارس النادي الليلي , ضخم الجثة من الدخول, لمجرد أنني نسيت أن أضيف سنة واحدة حينما سألني عن عمري!

و أمس أيضا, استطعت التملص بطريقة مكشوفة أكثر من اللازم, مكشوفة بطريقة مخجلة, من إقبال. و هو طالب هندي أتى لتعلم اللغة الانجليزية, ليتمكن من العمل فيما بعد, مع ابن عمه الذي يمتلك سلسلة من مطاعم سمك و بطاطا. إقبال من أولئك الذين يرون كل من يعيش قريبا من مكة (بركة). و لأجل ذلك كان لصيقا من الطلبة السعوديين. كنت أعتقد أنني أتملص منه, لأنه متواجد أكثر مما يجب, أو لأن لهجته الانجليزية الركيكة قد تؤثر على أذني , أو حتى لأنه بتعجب كثيرا , كيف أن سعوديا محافظا مثلي, يرضى أن تسكن في الغرفة المجاورة له ببيت العائلة الانجليزية, مكسيكية حسناء اسمها أنخيلس.
و بعد أن تملصت بمنه بطريقة مكشوفة إلى حد الإحراج, تبين لي أنني لم أرض في قرارة نفسي , مصاحبة من يشبهون المخدومين في بلادنا!

هذا الصباح العليل, سيكون أقل كآبة , لو لم تصل نقاشاتنا شبه اليومية , أنا و مارغريت, مدرسة اللغة الانجليزية, إلى صدام حاد. الحوار الذي كان يبدو فضولا ثقافيا بين الشعوب, و أسئلة عن الشرق و الغرب, تبعثه أحداث العالم في السنة الأخيرة, انتهى إلى صدمة ثقافية, و حديثا لا يبدو أن أحدا سيفتحه إذا أراد الوئام في الفصل.

لا يهم, المهم أنني الآن أجلس في بارك سبايس, كئيبا كما لا ينبغي لأحد في هذا الصباح العليل, كارها كل شيء:رأس حارس الملهى الليلي الأشقر, سحنة إقبال ذات لون القرفة, بشرة مارغريت الأكثر بياضا من الثلج, و عيون أنخيلس الجميلة, و الزرقاء!
أتوقع أي شيء, أن يهوي نيزك يخلص العالم من مأساته, أو تشتعل حرب نووية فيضيء الكوكب الذي حل به الظلام. أي شيء, باستثناء أن يجلس ستيفن هوكقنز بجانبي.
حتى لو حصل هذا في غفوتي القصيرة بالحديقة.

لست واثقا, إن كنت نائما أم لا. لكن ما حصل فيما بعد, فنتازي إلى درجة لا يمكن تصورها إلا في الأحلام, تماما كما تعلم في النوم أن ما يحدث لك, هو حلم يمكن أن تخرج منه في أية لحظة.

كان ستيفن يحدثني عن نظرية الأوتار. أوتار من الطاقة متناهية في الصغر, متشابهة في كل شيء إلا في تذبذبها, و أن هذا الاختلاف البسيط هو الذي يصنع كل مظاهر الكون المعقدة و المتباينة. تماما كما الوتر الوحيد في الكمان, بإمكانك أن تعزف على الوتر نوتات لا متناهية. الوتر هو ذات الوتر , لكن اللحن –في كل مرة- مختلف.
أول مرة سمعت بهذه النظرية, كانت في (تاريخ مختزل للزمن). هذه النظرية, هي خلاصة بحث الفيزيائيين عن نظرية الكل شيء ( The Everything Theory) , النظرية الأقصى لتوحيد الكون (Unification Theory).

عرض علي ستيفن الذهاب في رحلة إلى الفضاء, وافقت دون أن أتساءل عن إمكانية هذا العرض, فستيفن كان واقفا دون كرسي متحرك, و كان يحدثني دون ناطق آلي. و الإمكانات في عالم كهذا لا متناهية.

الحقيقة, أننا كنا نسير في حديقة بارك سبايس , لا أكثر و لا أقل. لا فضاء و لا نجوم, و لا ثقوب سوداء. و حينما رأى ستيفن هكوقنز دهشتي, شرج لي بأن كل ما حولنا هو فضاء, و و أن أية خطوة على الأرض, تعادل خطوة في الفضاء, إن كنا واسعي الأفق.
بدا لي هذا منطقيا, فستيفن الذي لم يغادر كرسيه المتحرك إلا في رؤيتي, كان قادرا على تفسير الثقوب السوداء أفضل من أي رائد فضاء, يخوض اللا جاذبية برشاقة لاعب جمباز.
لسنا بحاجة لخوض الفضاء, كل الفضاء, لفهمه. و لسنا بحاجة لعيش الحياة, كل الحياة, لكتابتها.

وقفنا أمام نبتة خضراء صغيرة, و ألح علي ستيفن أن أنظر إليها بعمق, كنت أرى أوراقها الخضراء, ثم ألح أن أنظر بعمق, فرأيت خلاياها, ثم ألح أكثر, فيدأت أرى مادة الكلوروفيل التي تهبها اللون الأخضر, كانت شفافة بلا لون (ياللدهشة!). بدأت أرى ذرات تلك المادة , نواتها, و مادون النواة نزولا إلى عالم متناهي الصغر, حتى انتهى بي الأمر إلى أوتار من الطاقة متشابهة في كل شيء, إلا في ألحانها.

أصبحت أرى كل شيء بوضوح, وعمق. و حينما استعدت صورة إقبال, و جدتني أنظر له عبر يده التي أصافحاها, عبر بشرته, عبر خلاياه الصبغية, عبر ذراته , و صولا إلى أوتار من الطاقة , لا تختلف في لونها و لا هيئتها عن أوتاري التي تصافحه.

كل شيء بدا واضحا. الفصل المتعدد الجنسيات و مارغريت و أنا, الفصل ذاته الذي يوشك أن يتحول إلى صدام حضاري مصغر, بسبب نقاشاتنا الثقافية. كل ذلك, ليس سوى نسيجا متصلا من أوتار للطاقة, أو قيثارة كونية يمكنها, أن تعزف لحنا عذبا, أو نشازا .

وعندما عدنا إلى المقعد الذي جلست عليه في أول الصباح, و ودّعني ستيفن هوكقنز و هو يسير مبتعدا, انغمس كل شيء في نور أبيض ساطع, يوشك أن يعيدني من الرؤية إلى الواقع. كان النور يلف كل شيء, و يحيل كل من يسير في حديقة بارك سبايس: هوكنقز, إقبال, مارغريت, أنخيلس, أولئك الذين يلعبون الكرة, و أولئك المستلقين. كل أولئك صاروا أوتار ضخمة تسبح في البياض, تعزف لي- و أنا أستيقظ- لحنا غريبا , لكنه حتما يشبه لحن حفلة الميلاد.


طارق الجارد خاص/ سين


العمل المرفق للفنانة يمينة المثلوثي
تونس -خاص/ سين

المشاركة السابقة : المشاركة التالية