|
فقط .. حبة خال قد تكون الحكاية
من حقي أن أعيش هذه اللحظة و أحكي، أحكي ليس فقط من أجل الذين يودون الاستماع إلى حكايتي.
مررت من هنا و تنفست بعمق من أنفي و زفرت هواءً ليس نتناً.
طوال أعوام عمري الثلاثين لم أكن أعمى! لطالما نظرت إلى الورود، و الدموع، و الأرصفة، سمعت الضحكات التي تتعالى في الليل، الضحكات التي لم أعرف مصدرها يوماً، و فرحت لأصحابها.
أشفقت كثيراً على بكاء الجارة المريضة، التي لا أعرف منها إلا صوتها المتألم، هل كانت تسمعني و أنا أتوسل إليها أن تنام ؟!
ما يوجعني ليس عيباً أن يتألم له الآخرون، العيب ألا يُتركَ للآخرين فرصة ليصرخوا معي.
لذا من حقي أن أحكي، على الأقل لأشعر أنني هنا، أو أنني مررت بهذه المدينة الصغيرة بحجم فنجان القهوة.
قريباً ستموت الجارة، هذا ليس محزنا أبداً ! أنا سأموت أيضاً، أبنائي، زوجتي، أمي، و إخوتي الغاضبون، كلنا سنرتفع بقدر شبر واحد عن هذا السطح المرئي، أين المحزن في هذا ؟ هل هناك فرق ؟ أن نخرج من الباب و هو مفتوح، أو أن نخترقه و هو موارب؛ الحاصل هو الخروج، الخروج من هذا الجسد الموارب على الدوام.
ما يهم هو أن أحكي لك، وأخبرك عن فتاة أحبتني و لم أكن أكترث لها، و عندما غابت إلى الأبد أصبحت الحياة أكثر صعوبة !
أن البيت الأول الذي عشت به و أطفال العائلة لم يكن لي فيه إلا درج صغير للكتب المدرسية، و أنني كنت أشترك مع بقية الأطفال في البناطيل الرياضية، و التيشيرتات، و الأحذية، ولحاف النوم، و أنني عندما امتلكت في منتصف العشرينيات من عمري بيتاً خاصاً، به الكثير من الأدراج، و الأرفف، و المخدات الوثيرة - علمت كم كان بيت الطفولة شاسعاً.
" الحمد لله لأن الفن موجود " من قال هذه العبارة ؟!
اللقطة التي تنفر فيها الدمعة من عين ( ميل جيبسون ) هي ذات اللحظة التي تنفر منها الدمعة من محجري، المسافة البعيدة بين لون عينيه، و لون عينيًّ تنصهر فيها الروح، و أقبل صورته على غلاف الفيلم، و أنسى أنني تمنيت أن أضع هذه القبلة على جبين أبي الذي غادر حينما كنت بعيداً.
الفن هو الحكي، هو هذا الحكي السخيف جداً، الذي يبدأ بكلمة ( كان )، أو ( عندما كنت )، أو ( في يوم من الأيام ) أو أو أو ... ليس مهماً، المهم أن أحداً يجلس أمام نفسه و يصوغ حكايته، هذا الشعور بالراحة، هو نفسه شعور الوجود.
ألَّا يكترث أحد أنك تمر من أمامه، أن تنتظر شخصاً لأيام كي يضيء أخضر ماسنجره، ثم يدخل ولا يرسل لك وردة صغيرة بلا رائحة، و يغادر، هذا غير مؤلم، المؤلم ألَّا يسمعك و أنت تحكي.
يا سيدي، ليس من الواجب أن يهزك شخص بعنف لتنتبه أنه يريد أن يحكي لك حكاية !
أنا موجود، و مازلت أرى أشياءً جميلة، الليل لوحده حكاية، يجب أن أحكيها لك وهذا من حقي، أنفي يقودني فترات طويلة من السنة لمنابت الجمال و الروعة، بإمكاني أن أعيرك بعض القصص التي هداني إليها.
sms به حرف صغير جداً ( لم ) مثلاً، فقط ( لم ) صغيييييرة، حكاية و الله حكااااااية، شكراً يا صديقي لأنك أمتعتني بها، شكراً بقدر الحروف المحشورة داخل الكتب أمامي .
و للحكاية بقية ...
لحظة ..
البقية قد لا تكتب ، و قد لا أمهرها باسمي .. قد تكون حبة خال على بياض الورقة .
(فقط)
عبد الله العقيبي
العمل المرفق للفنانة : يمينة المثلوثي
تونس -خاص/ سين
|