خالد ربيع السيد
|
|
للمخرج الإيراني العالمي عباس كيارستمي إحساس حاد بالتراكيب البصرية الصوتية، إذ يستغني عن الموسيقى المصاحبة والمؤثرات الصوتية بالأصوات الطبيعية المنبعثة من البيئة المصوَرة، فما يراه المتفرج في الكادر وما يسمع من خارج الكادر، يُشعر المشاهد على نحو حميمي بالمكان..
الريح سوف تحملنا" .. سينما شعرية فاتنة
من إيحاء حياة الشاعرة الإيرانية فروغ فرخزاد وقصيدتها
The Wind Will Carry Us
للمخرج الإيراني العالمي عباس كيارستمي إحساس حاد بالتراكيب البصرية الصوتية، إذ يستغني عن الموسيقى المصاحبة والمؤثرات الصوتية بالأصوات الطبيعية المنبعثة من البيئة المصوَرة، فما يراه المتفرج في الكادر وما يسمع من خارج الكادر، يُشعر المشاهد على نحو حميمي بالمكان، لدرجة أن تلك التقنية توحي بأن ما يراه المتفرج إنما هو فيلم تسجيلي، بحس طبيعي خالص وليس للدراما أي دور فيه..هكذا يبدو أسلوب الشاعر والمخرج والمصور الفوتوغرافي كيارستمي في فيلمه (The Wind Will Carry Us / الريح ستحملنا) الذي يصور مجموعة من الزوار، ربما مهندسو إتصالات أو فنيو تقنية، فالفيلم لا يوضح هوياتهم ولا صورهم،سوى واحد منهم يدعى (بهزاد) ، ويتضح من سياق الفيلم أن رفاقه ثلاثة (علي و كيفان و جاهان) ينزلون ضيوفا على سكان قرية جبلية صغيرة في إقليم كردستان الإيراني، ((تشبه هذه القرية قرية ذي عين في جنوب السعودية بقرب مدينة الباحة)) ويبدأ "بهزاد" بالتنقل مع دليله ومضيفه الطفل "فرزاد" في أرجاء القرية الساحرة في تكوينها المعماري للبيوت الصغيرة المتلاصقة والنائمة على خد الجبل وربما أشار بهزاد عن طريق سؤال فرزاد الى إسمها (لماذا يسمونها القرية السوداء ..جدير بهم أن يسموها القرية البيضاء) ((بما يذكّر بقرية السودة في الجنوب السعودي)).. هؤلاء الزوار جاءوا للقرية لأسباب غير واضحة، يظهر منهم "المهندس بهزاد" شخصية رئيسة في الفيلم، نتابعه، نترقبه وهو يصعد بين البيوت الطينية المبنية على الجبل ويستعرض جماليات المكان الآسر، المكسو بالحزن والشجن والآسى الأنيق، لكن المشاهد لا يكف عن السؤال طيلة نصف الفيل .. ماذا يريد هذا الرجل النشط واللطيف وكثير الأتصالات وكثير الأسئلة.؟، ماذا يفعل هو ورفاقه.؟..
شيئا فشيئاً يتضح الأمر، إنهم ينتظرون موت امرأة عجوز في القرية. وبهزاد يجري إتصالات مع إمرأة في المدينة تدعى (جودر زادي) لا نراها ولا نسمع صوتها ، فقط نتعرف على إسمها من خلال إتصالات بهزاد الذي يحدثها ويطمأنها على المرأة العجوز التي شارفت على الموت.. في نفس الوقت يسعى أهل القرية الفقيرة بأكملها على الحفاظ على تلك المرأة، ويترابطون بصورة وثيقة لأجلها، تقوم كل نساء القرية على خدمتها ورعايتها.
كثير من مشاهد الفيلم موغلة في الحيرة ولا يمكن تفسيرها على وجه الدقة، لكنها في ذات اللحظة بالغة في جماليتها البصرية.. في لحظة إستدعت نساء القرية شيخاً كهلاً(إبنها) لزيارة المرأة المريضة ، وجاء وزارها والكاميرا ترصد من بعيد، من خارج البيت الذي تقيم فيه العجوز المحتضر، ثم يخرج الرجل العجوز ليتناول طبق من الثريد(حليب مع الخبز) .. القرية نائية بعيدة عن حداثة العصر وتكتفي فقط بروابطها الوثيقة بينها وبين بعضها البعض، .
لم يشأ كيارستمي أن يضع توضيحات لكثير من التساؤلات، بل ترك المشاهد يبحث عنها، فلسفته الشعرية تبدو هنا في أوج ازدهارها، خصوصاً إن تذكرتا فيلم (طعم الكرز/Taste of Cherry ) والأجمل أنه لا يصرح بأي شيء من خيوط الحكاية وإنما يدع المشاهد ينظم حبات متفرقة ليستمتع بتوليف عقد جميل .
من جانب آخر، يمكن النظر إلى الفيلم بوصفه لوحة لمكان آسر يعتني كيارستمي كثيرا في رسمه عبر لقطاته العامة والطويلة، حيث الدروب المتعرجة في التلال والحقول الخلابة. وكما هي عادة كيارستمي في معظم أفلامه فإنه لا يهتم كثيرا بتصوير المواقع الداخلية أو استخدام الإضاءة الاصطناعية، قدر تكريس اهتمامه بالمواقع الخارجية والمناظر المفتوحة والإضاءة الطبيعية وكذلك الأصوات الطبيعية لحفيف الأشجار وزقزقة العصافير.. بقبقات الدجاج وصياحات الديوك ومواءات القطط وعوائات الكلاب ..وفوق كل ذلك صوت الريح التي ستحمل كل هذا الوجود الى النهاية ، الموت المنتظر أبداً ، مع الريح التي ستحملهم.
(الريح ستحملنا) قصيدة للشاعرة والسينمائية الإيرانية الراحلة "فروغ فرخزاد" إعتمد عليها كياروستمي لنسج شاعرية الفيلم المستوحاة من حياة هذه الشاعرة الجميلة الموغلة في الإجحاف والعزلة التي تعرضت إليها في حياتها القصيرة التي لم تتجاوز إثنتين وثلاثين سنة.
إن بهزاد يبدو أشبه بعالم أنثروبولوجي متنكر، مع أسئلته التي لا تنتهي والتي يوجهها إلى كل من يلتقيه من القرويين، وهو يسعى إلى الكشف عن هذا المكان النائي، وعن هؤلاء الناس الخامدون المعزولون الأحياء وكأنهم أموات.
حتى نهاية الفيلم تظل كثيرا من مشاهد الفيلم مبهمة، شاعرية، تلامس بشفافية ولا تتعمق، تاركة للمتفرج مساحة واسعة من التأويل والتحليل والتأمل. مع الإبقاء على شخوص الفيلم حالة الإختفاء لا يظهر في معظم مشاهد الفيلم سوى البطل والطفل الصغير، وبكثير من الإنتباه يمكن تلمس قصة الصبي.
لكن يظل المكان بكل ما يحوي من فضاء شاسع وحقول وقبور بالية وبيوت ومساكن قد تكون متداخلة إلى أقصى حد كحال اصحابها حتى تبدو أنها عبارة عن منزل واحد كبير تم تقسيمه إلى غرفات صغيرة يسكنها أفراد قليلون يتنقلون من بين الأسطح والممرات الضيقة .. تتجانس الصورة عند كيارستمي وتتداخل ما بين البيوت/القبور والحقول، أو ما بين الحياة والموت،هذا التناقض الغريب وهذا الزائر الذي ينتظره الجميع (الموت) .
يقول عباس كياروستمي
أثناء التصوير، اكتشفت إلى أي حد الشعر قريب من موضوعي، وقد أضفت ذلك إلى السيناريو. أظن أن هذا النص، بطريقة ما، هو نصي السينمائي. إن نصي قريب حقاً من كل ما كتبته فروخزاد من شعر. الفيلم يبدأ بقصيدة لعمر الخيام والتي، على نحو رمزي، تحمل معنى للموت في حياتنا.. يوماً ما سوف تسقط الشجرة. هذا هو سبب اختياري لهذه القصيدة.
• هل يمكن لنا أن نناقش الطبيعة المجازية للفيلم؟
رابط لمقطع من الفيلم
http://www.youtube.com/watch?v=tB-eMhyCIys
http://www.youtube.com/watch?v=VGQqkvPPWkQ&feature=related






