خالد ربيع السيد
|
|
يعد الفن الجرافيتي Graffiti Art أو (الرسم على الجدران) من الفنون الحديثة التي ظهرت نتيجة ظروف اقتصادية وسياسية معينة حدثت تحديداً في مدينة نيويورك الامريكية في فترة السبعينات..
الرسم على الجدران أو ( الفن الغرافيتي) هل هو فن أم شخبطات
خالد ربيع السيد
يعد الفن الجرافيتي Graffiti Art أو (الرسم على الجدران) من الفنون الحديثة التي ظهرت نتيجة ظروف اقتصادية وسياسية معينة حدثت تحديداً في مدينة نيويورك الامريكية في فترة السبعينات، إذ أرادت الطبقة الفقيرة في نيويورك لفت الانظار الي حالتهم الاقتصادية ووضعهم المأساوي فاتجهو الي الفن الجرافيتي ... أخذ مجموعة من الشباب بالرسم والتلوين على الجدران وعلى عربات القطارات في مترو الانفاق، وعندما بدأت السلطات تنتبه الي تفاقم هذه الرسوم وانتشاراها، قامت بقمعهم ومهاجمتهم، ووضعت قوانين لمنع تداول الالوان والاصباغ.
وكلمة جرافيتي Graffiti تعني في الأصل الخدش وتستخدم فيها الأحرف أو الرسوم وتنفذ عادة في الأماكن العامة، والآن يعد الجرافيتي من المجالات الفنية الشائعة التي يتم تنفيذها في أماكن مثل المباني الخاصة أو العامة أوالجسور أو القطارات وعربات النقل وحتى الشوارع دون اذن مسبق، وتقوم بعض الدول بملاحقة الذين يقوم بهذا العمل إذ تعتبره تخريبا وتشويها للمرافق العامة يعاقب عليه القانون، ولكن بعض الدول قامت بالسماح به في حدود معينة بعد اخذ اذن بذلك. وعلى الرغم من أن بعض الأعمال الجرافيتية قد تضر وتشوه المكان، إلا بعضها ذو قيمة جماليه عالية يصل مستوى الرسوم الجدارية التي ينفذها الفنانين الكبار في المدن الكبرى. ويعتقد أن هذا الفن موجود منذ أيام الحضارة الإغريقية والرمانية، حيث وجدت بعض الكتابات محفورة على بعض الجداران والمعابد والكنائس بعد انتشار المسيحية. وتعبر الرسوم التطباشيرية التي وجدت في صحراء الجزيرة العربية الصحراء الكبرى أيضا من الجرافيتي.
ويستمد الفنانون الجرافيتيون مواضيعهم من الرسائل السياسية والإجتماعية والثقافية اجتجاجا على الأوضاع الحالية، تميل بعض الرسائل للانتصار للمهمشين من إفرادالمجتمع كالفقراء والعمال والمظلومين، وفي بعض الأحيان يستخدم كشكل من اشكال الدعية فضلا عن اعتباره من قبل النقاد شكلا من أشكال الفن الحديث، وقد سعت بعض المتاحف وصالات العرض العالمية باستضافة بعض رواد هذا الفن لعرض أعمالهم على الجمهور.
فن يتطلب المراوغة
ونظراً لطبيعة هذا الفن يفضل الكثير من الممارسين له عدم الأفضاح عن اسماءهم الحقيقية خوفا من الملاحقة القانونية لهم، وفي بعض الأحيان يتخدون اسما حركيا أو أن يعملون كفريق تحت اسم حركي. بل إن البعض كما يبدون يرون أن السرية والتكتم على مجريات العمل هو ما عنصر مهم لأي فن جرافيتي. ويمتاز الفنان الجرافيتي الحديث بالسرعة، لذلك يتطلب عمل التخطيطات الأولية (إسكتشات) بشكل كافي ودقيق لان الفنان أو الفريق ربما يكون لديه فسحة ضيقة من الوقت لأنجاز العمل قبل أن يتم اكتشافه. لذلك يلجاء الفنان لوسائل سريعة في التنفيذ مثل الدهان البخاخ او إقلام التحديد (الفلوماستر markers) أو بكرات الدهان لتغطية المساحات الكبيرة بالألوان كما يتسخدم البعض الرسوم التفريغية (الاستنسل) لتنفيذ
الرسوم بسرعة.
تجربة روبرت بانكسي
من هذا المدخل تمكن الفنان الجرافيتي البريطاني روبرت بانكسي بأن يظهر عبر جدارياته الاستفزازية. التي يرسمها في خفاء الليل على جدران المدن وهي نائمة في هدءة الليل ، إنه مثل الأشباح يظهر في الخفاء ويضع رسوماته ويتلاشى ، وهو يتنقل في مدن العالم المختلفة ، يرسم ويهرب .. ظهر مؤخراً في فلسطين كالعادة لم يره أحد، ولم تقبض عليه السلطات لسرعة تواريه، لكنه شغل الناس، وأثار ريبتهم، ماذا يريد بانكسي؟ ومتى يظهر مرة اخرى، وأين؟
بانكسي معروف بتعاطفه مع القضية الفلسطينية ورسوماته بشكل عام تدل على ذلك منها لوحة حمامة ترتدي واق من الرصاص
فوجئ صاحب محل للتحف، يقع على مدخل للقدس، عندما فتح متجره صباحا، بوجود لوحة كبيرة مرسومة على حائط دكانه، تمثل حمامة ترتدي سترة واقية من الرصاص، يستعد قناص لقتلها، ورغم أن المتجر يقع قبالة برج مراقبة ، إلا أن الفنان تمكن من رسم جداريته تحت جنح الظلام، وفي مكان حساس.
الزائر الليلي
لم يكن ذلك الزائر الليلي سوى فنان الجداريات العالمي روبرت بانكسي، الذي ظهر في فلسطين برسومات جدارية عديدة تركها على جدار الفصل الاستيطاني الذي يبنى هناك، وجدران منازل اللاجئين في المخيمات، وبعض المحال التجارية. ويعتبر بانكسي الآن أبرز فنان جرافيتي عالمي احتجاجي ومعترض على السائد، ينفذ رسوماته على الجدران وفي الأماكن العامة، من دون إذن مسبق. وغالبا ما يعرض نفسه، نتيجة لذلك، إلى ملاحقات قانونية في معظم الدول.
جندي إسرائيلي يستجوب حمار ويفتش هويته
ومن المؤسف أن بعض المقيمين قاموا بطمس لوحة تساوي مئات الآلاف من الدولارات لأنها تصور بسخرية جندي اسرائيلي يفحص هوية حمار وبينما رأى بعض المقيمين أن في هذا إهدار لكرامتهم كبشر، فقد رأى البعض الآخر أن الفنان كان يقصد السخرية من غباء الاسرائليين الذين لا يتورعون عن فحص هوية الحمير.
وأحاط روبرت بانكسي نفسه ببروباجاندا، أو ربما اسبغها عليه محبوه، جعلته رغم شهرته، من دون سيرة ذاتية معروفة. ويرجح أن يكون بانكسي من مواليد بريستول أو بلدة قريبة منها، عام 1974. ظهرت رسومه الاحتجاجية لاول مرة عام 2003، على جدران مسقط رأسه، والعاصمة البريطانية، وجعلت المتابعين يطرحون أسئلة لا تنتهي عن هوية هذا الفنان المعادي للحروب والهيمنة الرأسمالية، خاصة بعد أن صور الموناليزا على جدران لندن وهي تحمل قنبلة. وتمكن بانكسي، بموهبته الطاغية أن يعيد الاعتبار لفن الجداريات. ولا يقتصر احتجاجه على السياسات الخارجية للدول الغربية، ولكن على ما يجري داخلها أيضاً.
جائزة أعظم فنان بريطاني للفنان المراوغ
وحافظ بانكسي على شروط فن الجرافيتي، بمفاجأته لمتابعيه، وتعريض نفسه لمخاطر العقاب بوضع رسومه في أماكن ممنوعة، وهروبه من الصحافة، وقدرته السريعة على الاختفاء. وهكذا تمكن من الرسم في الحدائق ومحطات القطارات دون إلقاء القبض عليه.

وفي عام 2005، ظهرت رسوم بانكسي على مقاطع من الجدار العازل الذي تبنيه إسرائيل، وكان ذلك مناسبة لكشف المزيد عن آرائه، وهو ما كان عبر عنه خصوصا في دول يعارض سياستها مثل بريطانيا والولايات المتحدة. وتمكن من التسلل إلى متاحف وأماكن مرموقة في هذه الدول، والخروج دون أن يلحظه أحد تاركا بصماته الاحتجاجية، والطريفة. وعندما اكتشفت إدارة المتحف البريطاني أن المتسلل الذي ترك لوحاته هو بانكسي، ضمتها إلى مقتنياته، ومنحته قناة «أي تي في» البريطانية، في مايو 2007، جائزة أعظم فنان يعيش في بريطانيا. لكن بانكسي لم يحضر لتسلم جائزته.
واغدق عليه محبوه، ومعظمهم من الشبان المتململين من الأمركة والعولمة عدة صفات مثل «الفنان المراوغ»، و«فنان حرب العصابات» و«الفنان الغامض». ومن اجل المحافظة على هذه الصفات، يستخدم أساليب تجعله يضع رسومه على الجدار ويترك المكان بسرعة، وهو ما فعله في فلسطين في شهر ديسمبر الجاري، في عودة جديدة مفاجئة إليها، ولكن هذه المرة بدا مصرا ان تكون اكثر لفتا للانتباه، وزخما.
نماذج من جدارياته
وفي عمله الجديد في فلسطين، الذي يثير اهتمام متابعيه، اشتغل بانكسي بمساعدة اثنين، أحدهما فنان محلي، وشخص آخر مهمته التقاط الصور له، التي يوزعها بانكسي لنفسه ولا يظهر فيها وجهه أبدا.
و تبين أن الخطوة الأولى في رسم الجدارية بالنسبة لبانكسي، هي تحضير الأرضية بلون معين، ويتم ذلك سريعا جداً تفادياً لضبطه، ثم يضع على الحائط كرتونة وضع عليها رسمته مسبقاً وفرغها، ويبدأ برش الألوان عليها، وبعد أن ينتهي، يكمل وضع الألوان بعد أن يزيل الكرتونة المفرغة عن الجدار، ويتوارى عن الأنظار.
ويتلقى محبو بانكسي في أنحاء العالم أخبار جدارياته، من خلال مدونات الإنترنت، في حين يواصل الرجل هروبه من الصحافيين ومطاردتهم له. وتظهر الرسوم الضخمة التي تركها على جدران الفصل العنصري، موهبة فريدة، وتؤكد بأن خلف لوحاته البسيطة، عملاً تخطيطياً كبيراً.
ومن الجداريات التي وضعها في اكثر من مكان صورة تلميذة فلسطينية، توقف جندياً إسرائيلياً ووجهه على الحائط، ثم تأخذ بتفتيشه. أثارت هذه نقاشا بين الفلسطينيين، واعتبرها البعض مسيئة، مثل أبو عزيز، تاجر الخضار الذي رسم بانكسي اللوحة على جدار محله، وهو يقول: «تظهر هذه اللوحة ان تلاميذنا إرهابيون». وليست هذه الجدارية الوحيدة التي أغضبت الفلسطينيين، ففي أخرى يظهر جندي إسرائيلي وهو يدقق في هوية حمار ضخم اسود، مما اعتبرها البعض توصيفا للفلسطينيين بأنهم يهانون كالحمير على يد الجيش الإسرائيلي. وهو أمر واقعي، لكن المدهش أن الجدارية نكأت جروحا نائمة.
وتثير اللوحة فضلا عن مغزاها المريح بالنسبة للفلسطينيين، أسئلة أخرى حول جرأة بانكسي وخفة يده، التي مكنته من الوصول إلى البوابة، وترك رسمته، وكأنه أحد المقاومين الفلسطينيين، الذين ينفذون عمليات ضد أهداف عسكرية إسرائيلية شديدة التحصين.
وتمكن بانكسي أن يجد ثقوبا في الجدار، لكي يثبت فيها ما يرمز لقدم فتى فلسطيني ممدودة، تبدو وكأنها تخترق الجدار. وبدا موقفه واضحا اكثر من السياسة الأميركية حين رسم بوش في اكثر من موقع على جدار الفصل، برأس يشبه الجمجمة، وقبعة مهرج متطاولة، وهو يحمل سلاحا للقتل.
هذه اللوحة جزء من أعمال أخرى تسخر من السياسة الأميركية، تظهر أطفالا، يبدون اشمئزازهم من رموز أميركية، مثل الصواريخ، التي يحولونها إلى دمى ويطلقون بدلا منها حمامات السلام.
ورسم أطفالا فلسطينيين، يحدثون فجوة في الجدار، مبشرا بتدميره، وفتاة فلسطينية جميلة، تخرج حمامات السلام من عينيها، ووضع سلما على الجدار كأنه يدعو الفلسطينيين إلى تسلقه وعدم الاستكانة إلى هذا الأسمنت المرتفع الذي يحاول صانعوه منع الشمس والهواء عنهم.
واستخدم بانكسي أحد رموزه الشهيرة وهو الفأر كرمز للمستضعفين، ليعلن تعاطفه مع الأولاد المشردين. فرسم لوحة لفأر يحمل مقلاعا ويستعد للمواجهة. وهي لوحة أغضبت الجماهير ايضا لدلالات الفأر غير المريحة في الثقافة العربية.
تجربة كاتش
البرازيل وبالذات مدينة ساو باولو تعد عاصمة الجرافيتي في العالم حيث لا تمنع القوانين ممارسي الجرافيتي في استغلال المساحات العامة لذلك ظهر العديد من فناني الجرافيتي الذين امتازوا بأساليب فنية فريدة، ومن هؤلاء الفنانين شاب يدعى كلاوديو ثيوس، وتتميز أعمالها برسم الشخوص باللون الأسود، وتمثل شخوصه عادة الفئات المحرومة في المجتمع البرازيلي.

وأيضاً هناك الفنان الجرافيتي الأمريكي كاتش هارينغ الذي دشن مؤخراً معرضه في نيويورك . ويعكس فيه الاهتمام الاستعادي المكانة المركزية التي تحتلها تجربته في تشخيصات ما بعد الحداثة سواء في نيويورك أو في باريس. يُعتبر أكبر معرض استعادي له خارج الولايات المتحدة، والمعرض الثاني بعد نظيره عام 1971 في «متحف مايول» في باريس. المعرض الراهن ثمرة تعاون حثيث دام سنوات بين «متحف ليون للفن المعاصر» و «مؤسسة هارينغ» (نيويورك) افتتح في 24 شباط (فبراير) 2008. تؤكد ذخائره المعروضة هذه الأهمية بما لا يقل مثلاً عن مئة من رسومه النادرة، إضافة الى التمثال البرونزي العملاق المنقول عبر المحيط والذي يمثل مذبح كاتدرائية سان فرانسيسكو وكان كلف بتصحيحه عام 1990.
يمثل هذا الحدث مركز الأهمية في الموسم التشكيلي الراهن وذلك بتخصيص عدد من الندوات والملفات النقدية له، إضافة الى الأفلام والإعلام والتوثيق والطباعة والمعارض الباريسية الموازية.
بما أنه غير معروف نسبياً في الأوساط الفنية العربية (مقارنة بتوأميه: باسكيا وآندي وارهول) فكان لا بد من مراجعة سيرته الفنية التي اشتعلت مثل البرق ما بين ولادته عام 1958 ووفاته التراجيدية شاباً عام 1990 عن 32 سنة.
كان مكلفاً بتزيين واجهة مستشفى نيكر في باريس عندما اكتشف مرضه عام 1988 ولم يقاوم بعدها أكثر من سنتين.
استطاع خلال السنوات العشر الأخيرة (ابتداء من وصوله الى نيويورك) أن يُشيع فنه بطريقة مذهلة تتناغم مع موهبته التواصلية الاجتماعية، فهو متواضع الدراسة الفنية ولكنه منذ بدايته اكتشف القوة التواصلية في رسوم جدران الشوارع وأروقة المترو المعروفة بشخبرات (Les Graffitres) الجانحين أو الخارجين عن القانون من صبيان الأحياء الشعبية وزعرانها. لذا نجده يستعير الرموز البسيطة المباشرة، معتمداً على مساحات مسطحة من الألوان الأولية مثل الأحمر أو الأصفر أو الأزرق أو الأخضر. تعوم الخطوط السود الحادة خارج حدودها. يتطابق في هذا المنطلق مع باسكيا ولكنه لا يستخدم الكتابات مثله، مقتصراً على الإشارات الغرافيكية الشائعة في جدران المدينة الصناعية المعاصرة، تعكس موضوعاته على بساطة أو تقشّف خطوطها العنف الاجتماعي والجنسي، مستمراً في الحساسية الشوارعية أو الاستهلاكية التي خلفتها تيارات «البوب آرت» منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية.
يؤكد صبوة التواصل السريع والشيوع مع المتفرج أو المستهلك من خلال مخزنه الذي أسسه عام 1986 ليبيع منتجات استهلاكية ترتبط بفنه، من قمصان وألبسة الى إعلانات وبطاقات وميداليات ومطبوعات وتقويمات سنوية وألعاب. كرس ريعها غالباً للمؤسسات التي تحمي الأطفال.
كذلك فإن تنظيراته مسجلة في جريدته وفي الخطاب الذي نعى فيه المعلم آندي وارهول عند وفاته باعتباره مادة استلهامه النظري الأول قائلاً انه «الأول في تاريخ الفن الذي اعتمد على التواصل المباشر مع المتفرج وخبرته وذاكرته اليومية».
ولا ينكر دور سحر شخصية هارينغ في سرعة انتشاره، فهو عرف بنظرته الحالمة خلف نظارات دائرية رحبة، كما عرف بصداقته مع الفنانين والمشهورين خصوصاً مادونا التي دعمته مثلها مثل حركات الشباب، فمثّل الولايات المتحدة في أكثر المواقع عالمية: من بينالي فينيسيا وحتى دوكومنتا. ليس أدل على أهميته من تكليفه عام 1986 بتحقيق برفورمانس (هببيننغ تصويري) بمناسبة الذكرى المئوية لإهداء فرنسا تمثال الحرية. حقق هذا العمل مع تسعمئة طفل مستلهماً تكويناته من عالمهم.
نعثر في رسوم هارينغ على استعارات من عالم الطفولة ومن أبطال والت ديزني مثل ميكي ماوس وبونشيو وسواهما.






